ابن تيمية
106
مجموعة الرسائل والمسائل
بنت عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليس بالكاذب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً " ولم يرخص فيما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاث في الإصلاح بين الناس وفي الحرب وفي الرجل يحدث امرأته . قال فهذا كله من المعاريض خاصة ولهذا نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه أنه قال " الحرب خدعة " وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها . ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل يهديني السبيل " وقول النبي صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة بدر " نحن من ماء " وقوله للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار أسره " أنه أخي " وعنى أخوة الدين ، وفهموا منه أخوة النسب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن كنت لأبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم " . والمقصود هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين الاغتياب وبين البهتان ، وأخبر أن المخبر بما يكره أخوه المؤمن عنه إذا كان صادقاً فهو المغتاب ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم " ذكرك أخاك بما يكره " موافقة لقوله تعالى ( ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) فجعل جهة التحريم كونه أخاً أخو الإيمان ، ولذلك تغلظت الغيبة بحسب حال المؤمن ، فكلما كان أعظم إيماناً كان اغتيابه أشد . ومن جنس الغيبة الهمز واللمز ، فإن كلاهما فيه عيب الناس والطعن عليهم كما في الغيبة ، لكن الهمز هو الطعن بشدة وعنف ، بخلاف اللمز فإنه قد يخلو من الشدة والعنف ، كما قال تعالى ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) أي يعيبك ويطعن عليك . وقال تعالى ( ولا تلمزوا أنفسكم ) أي لا يلمز بعضكم بعضاً . وقال ( هماز مشاء بنميم ) وقال ( ويل لكل همزة لمزة ) . إذا تبين هذا فنقول : ذكر الناس بما يكرهون هو في الأصل على وجهين ( أحدهما ) ذكر النوع ( والثاني ) ذكر الشخص المعين الحي أو الميت . أما الأول فكل صنف ذمه الله ورسله يجب ذمه وليس ذلك من الغيبة كما أن كل صنف مدحه الله ورسوله يجب مدحه ، وما لعنه الله ورسوله لعن كما أن من صلى الله عليه وملائكته يصلى عليه ، فالله تعالى ذم الكافر والفاجر والفاسق والظالم والغاوي والضال والحاسد والبخيل والساحر وآكل الربا وموكله